اسماعيل بن محمد القونوي

193

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

من الوجهين المذكورين وهذا المعطوف واحد وقد بان مغايرته أيضا وأما ثانيا فلأن الثاني أيضا محمول على الجزاء الأخروي لظهور أثره لأهل الجنة فيه كما سيجيء الإشارة إليه من المصنف وقيل إنه مجاز مرسل بإطلاق اسم السبب على المسبب فإن استهزاءهم سبب لرجوع وباله عليهم وقيل إنه كناية عن اختصاص ضرر الاستهزاء بهم كما في قوله تعالى : وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ [ البقرة : 9 ] وقيل إنه تجوز في الإسناد وما قبله في المسند فإن الاستهزاء مجاز فيه وفي هذا على حقيقته غير أنه إلى غير ما هو له تشبيها لمن يرد وبال الاستهزاء على المستهزىء بالاستهزاء والكل تكلف بل تعسف أما الأول فلأن كلام المصنف كالمستهزىء بهم كالنص في الاستعارة وإن جار المجاز المرسل بالنظر إلى العلاقة الأخرى كالسببية مثلا كما ذكره وأما الثاني فلأن أداة الاختصاص هنا غير متحققة بخلاف قوله تعالى : وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ [ البقرة : 9 ] وأما الثالث فلأن التجوز في الإسناد يقتضي أن يكون فاعلا يكون الإسناد إليه حقيقيا وهنا ليس فاعلا الاستهزاء بهم يكون إسناده إليه حقيقيا أولا ثم الإسناد إليه تعالى مجازا والقول بأن فاعل الاستهزاء الرسول عليه السّلام والمؤمنون فإنهم استهزؤوا بالمنافقين حين استهزؤوا بهم ضعيف جدا لا يفهم من سوق الكلام قطعا ولذا لم يلتفت إلى ذلك الشيخان . قوله : ( أو ينزل بهم الحقارة والهوان الذي هو لازم الاستهزاء ) عطف على يرجع أو يجازي ووجه ثالث من وجوه التأويل فحينئذ يكون مجازا مرسلا لا غير بعلاقة اللزوم العربية أو السببية وفائدته التنبيه على أن من استهزىء بمن يستحق التعظيم ينزل اللّه تعالى بهم الهوان في كل حين وزمان للتشبيط عما يردئ من سائر الطغيان قوله : ( والغرض منه ) تفسير للازم فيكون وجها واحدا وفي بعض النسخ أو الغرض منه فيكون وجها آخر فالأول ناظر إلى الوجود في الخارج والثاني إشارة إلى الوجود في التصور فعلى الأول يكون من قبيل ذكر السبب وإرادة المسبب وعلى الثاني بالعكس فإن قيل الظاهر إن الغرض من الاستهزاء هو الهوان والحقارة الذي لازمه أو الغرض منه الباعث عليه والمسمى بالاستهزاء هو إنزال الحقارة لا نفسه قلنا إنه في الحقيقة إنزال الهوان الذي هو التحقير اللازم أو الغرض لا الحقارة والهوان نفسه بل لكونه أثر اللازم أطلق عليه اللازم أو الغرض تسامحا فتدبر . قوله : ( أو يعاملهم معاملة المستهزىء ) عطف على ينزل أو على يجازي ووجه رابع من وجوه التأويل وإيراد المصنف في المواضع الأربعة أفعالا من فعله تعالى يشعر بأن وجوه تأويل يستهزئ بهم أربعة وما ذكر في الوجه الأول من الوجهين واحد بالنسبة إلى تأويل يستهزئ وإن كانا اثنين بالنظر إلى قوله يجازي فمن عد قوله أو لكونه مماثلا وجها ثانيا من وجوه التأويل لم يصيب واصل المعاملة التصرف في الأمور ومعناه هنا يفعل بهم مثل ما فعل بالمسلمين ( أما في الدنيا فبإجراء أحكام ) أي بأمره رسوله بإجراء أحكام ( المسلمين ) وإلا فبالإجراء المذكور فعل الرسول والمؤمنين كما صرح به في يُخادِعُونَ اللَّهَ [ النساء : 142 ] الآية فلو اكتفى باستدراجهم بالإمهال لكان أسلم وأولى وهذا الجواب